|
|
| |
مقالات اخرى للكاتب سامي الزبيدي ... |  | 21/11/2009 |  | 18/11/2009 |  | 17/11/2009 |  | 16/11/2009 |  | 15/11/2009 |  | 08/11/2009 |  | 07/11/2009 |  | 03/11/2009 |  | 02/11/2009 |  | 01/11/2009 | | المزيد ... | |
|
|
من الكهف الى الشارع
الرجل الذي يقطع ازرار قميصك حين يدعوك الى منزله في سياق دعوة حارة لتوكيد كرم مبالغ به، هو نفسه الذي يزاحمك ويقفز امام وجهك بسيارته في خضم بركة كانت قبل المنخفض الجوي الاخير شارعا فسيحا وقد تنال منه شتيمة تليق بمقامك العالي ان سولت لك نفسك ولم تسمح لجنابه بالمرور بصرف النظر عن شيء يدعى الاولوية المرورية.
عجبا كيف نجمع النقيضين في شخصية واحدة ففي حين ننتفض كرما امام عتبات منازلنا فاننا غالبا ما نستشرس كأننا نخوض حربا عادلة ان نحن انطلقنا في الشوارع فيستحيل كل شخص من خلق الله عدوا محتملا بصرف النظر اكان ماشيا ام راكبا.
القانون في هذه الحال يغدو ليس اكثر من سلاح لمواجهة الخصوم وافحامهم وليس ناظما لعلاقتنا بالفضاء الاجتماعي وقواعد مجردة تسمو على الفرد لصالح المجموع.
ان فكرنا قليلا فقد نحصل على اجابة اولية: الدعوة الى المنزل جزء من ثقافة البعض المزيفة وبالتالي فان هؤلاء الذين يمارسون هذا النمط من الكرم الكاريكاتوري لا يكونون امينين للقيم الحاتمية حينما يبتعدون عن حمى الدار، فيصبح كل شخص في الطريق عدوا محتملا لاننا في معظمنا لا نقيم وزنا للاطر القانونية التي تحكم علاقتنا بغيرنا من المواطنين بقدر ما نضطر اضطرارا للالتزام بها خشية من الرادع المتضمن فيها.
امس وفي لحظة رحمانية انهمرت السماء مطرا مدرارا فتغيرت حركة الناس على احدى اشارات المرور وبدون سابق انذار نسي هؤلاء ان ثمة الوانا: احمر ، اصفر ، اخضر، فتداخلت السيارات عشوائيا وغص الشارع باهله وكأن الماء المنهمر بغزارة ايقظ غرائز كانت دفينة في اللاشعور فتحولت العمارات الانيقة في عيون اصحاب السيارات الى اشجار استوائية باسقة، واشتغلت قوانين الغاب بديلا موضوعيا عن قوانين السير واضحت القوة هي سيدة المشهد.
ليس غريبا القول ان روح القوانين لم تلامس بعد ارواحنا ولم تدخل بعد في اطار منظومتنا الثقافية كأفراد ولا زلنا نستدعي ؟ عند اللزوم ؟ قيم سابقة على تكوين الدولة الحديثة ، وكأن القانون بالنسبة لنا مشروع قيد مهيأ للكسر في اول فرصة مناسبة .
احترام روح القوانين ثقافة وليست قرارا شخصيا يمكن كسره في اية لحظة اذا انتفت المصلحة الفردية، وكما قيل ان الفرد البدائي ليس ذلك الذي يعيش في الكهف بل ذلك الذي تعيش قيم الكهف في روحه.
سامي الزبيدي
|
|
|