|
|
| |
مقالات اخرى للكاتب د. صلاح جرار ... |  | 08/04/2010 |  | 07/01/2010 |  | 31/12/2009 |  | 24/12/2009 |  | 17/12/2009 |  | 10/12/2009 |  | 03/12/2009 |  | 26/11/2009 |  | 12/11/2009 |  | 05/11/2009 | | المزيد ... | |
|
|
تنبيه: يحظر النقل أو إعادة النشر بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة
ثقافة الصوت العالي
يرفع الناس أصواتهم عندما يخاطبون أناسا يبعدون عنهم مسافات طويلة تستدعي بذل أقصى الجهد لإيصال الصوت، أو عند الألم المبرح والغضب العارم والاستنجاد وعند المناداة على البضائع في الأسواق، وما عدا ذلك فإن مستوى صوت المتكلم يجب أن يتحدد ارتفاعا أو انخفاضا حسب بعد المخاطب أو قربه عن المتحدث، فكلما ابتعد ازداد الصوت ارتفاعا وكلما اقترب انخفضت وتيرة الصوت.
ومع انتشار مكبرات الصوت ووسائل الاتصال الحديثة لم تعد ثمة حاجة إلى إجهاد الأوتار والحبال الصوتية للمتحدثين حتى الممثلين والمطربين والمؤذنين وخطباء المساجد وسواهم، فقد أغنتهم مكبرات الصوت عن اللجوء إلى رفع أصواتهم وهم يخاطبون جماهيرهم ومريديهم.
وفي هذا المجال نجد فروقا بارزة بين الأمم المتقدمة والأمم المتعثرة، فعند الأمم المتقدمة قلما ترى الواحد منهم يستخدم صوته بأكثر من حاجته ولذلك تجدهم في الحافلات والقاطرات والمطاعم والأماكن العامة يراعون وهم يتحدثون مع بعضهم بعضا ألا يسمع حديثهم أحد من جيرانهم، وأما في البلدان المتعثرة - أقال الله عثرتها- فليست هناك خصوصية للحديث بين أي اثنين، ففي الحافلات أو سائر وسائط النقل تسمع قصص الناس جميعا وهم يتحدثون مع بعضهم بعضا، وتعرف بكل سهولة ودون أن تلقي بسمعك لأحد قصص زواج وطلاق وعشق وتآمر ودسائس وخطبة وخلاف ومرض وشجار وغير ذلك مما لست بحاجة إلى معرفة شيء منه، لأن أحدا من المتحدثين لا يحرص على أن يحصر حديثه في حدود من يتحدث معه فقط، وقد يصل الأمر إلى درجة أن تكون في مقدمة الحافلة ويطرق سمعك حديث آخر اثنين يجلسان في الكرسي الأخير من الحافلة، وفي ليالي الصيف تستطيع أن تسمع أحاديث الضيوف الذين يحلون عند جيرانك حتى الجار السابع، وتستطيع أن تحدد حتى نوع الضيافة التي تقدم لهم من حمص أو فول أو فلافل أو مكسرات مغشوشة والمحمص الذي اشتروها منه.
وأما المكالمات الهاتفية التي تجرى من المكتب المجاور لمكتبك على سبيل المثال أو من البيت المجاور لبيتك فتستطيع من طريقة إجرائها أن تعرف تفاصيل القصة التي دار حولها الاتصال، وأما إذا كانت المكالمة خارجية أي من خارج البلد أو إلى بلد خارجي، فلا يملك المتحدث إلا أن يرفع صوته بأقصى ما يمكن حتى يسمعه العابرون في الشوارع ويعرفوا أنه يجري اتصالا مع بلد خارجي.
أما ثقافة الصوت العالي فتقوم على مبدأ ''خذوهم بالصوت'' أي أنك تستطيع من خلال رفع صوتك أن تكون أكثر إقناعا وتأثيرا، وقد رافقت صديقا لي ذات مرة في زيارة لمجموعة من أقاربه، وبينما كنا جالسين تعالت الأصوات حتى ظننت أننا على وشك أن نشهد واقعة جديدة من وقائع العرب، فحاولت أن أفهم سبب التوتر فوجدت موضوع الحديث عاديا لا يستدعي أكثر من الحديث بصوت عادي هادئ، ولما خرجنا قال لي صاحبي: هذه هي طريقة حوارهم في كل الأوقات، ولا تدل هذه الطريقة من الحوار على أي نوع من الضغينة.
إن أهدأ صوت في الدنيا هو صوت المنطق والحقيقة والتقدم لكنه الأقدر على الإقناع والتأثير وتحقيق الأهداف والغايات.
د. صلاح جرار
|
|
|