|
|
| |
مقالات اخرى للكاتب د. صلاح جرار ... |  | 08/04/2010 |  | 07/01/2010 |  | 31/12/2009 |  | 17/12/2009 |  | 10/12/2009 |  | 03/12/2009 |  | 26/11/2009 |  | 19/11/2009 |  | 12/11/2009 |  | 05/11/2009 | | المزيد ... | |
|
|
تنبيه: يحظر النقل أو إعادة النشر بأي وسيلة إلا بعد الحصول على الموافقة المسبقة على ذلك من صحيفة
البحث عن قضية
إن (البحث عن قضية) في الحياة العربية هي ثقافة سائدة بين العرب سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول والجماعات، فمن الواضح أن أي دولة في هذا العالم المضطرب لا تكون لها قضية تتبناها وتدافع عنها وتقدم نفسها من خلالها للعالم، فإنها تسعى بكل الوسائل الممكنة للبحث عن قضية أو اختلاقها أو افتعالها، وقد وجدت كثير من الدول العربية والإسلامية أن أسهل طريق للظهور بمظهر الدولة صاحبة القضية هي أن تختلق نزاعا أو خصومة أو عداوة بينها وبين دولة عربية مجاورة أو بعيدة، فتتنازع معها على قطعة أرض حدودية أو باتهامها بالتدخل في شؤونها الداخلية والتآمر عليها أو الاختلاف معها أيديولوجيا أو سياسيا أو دينيا وما إلى ذلك، حتى تحولت هذه النزاعات المفتعلة إلى نزاعات حقيقية، وهو ما تتمناه هذه الدول التي تفتقر إلى قضية تحملها إلى المحافل الدولية والقنوات الفضائية.
ولئن كانت القضية الفلسطينية هي قضية العرب والمسلمين إلا أن تعمق النزعات القطرية في هذه البلدان جعل القضية الفلسطينية قضية غير كافية لتمييز قطر عربي أو إسلامي عن الآخر، ولذلك ذهبت كل دولة إلى البحث عن قضية تخصها، ولعل هذا واحد من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تخلي الأقطار العربية والإسلامية عن القضية الفلسطينية إلا في الظاهر.
إن البحث عن قضية من خلال البحث عن عدو حتى لو كان عدوا داخليا هو أقصى درجة من درجات التعبير عن العجز، ولذلك جاءت القضايا التي تحاول كل دولة عربية أن تميز نفسها بها نمطية ومتشابهة، وهي قضية العدو الخارجي أو الداخلي لكل دولة، وهي من خلال ذلك تسعى إلى أن ينشغل العالم بها من خلال كثرة الحديث عن هذه القضية، كما تسعى الدولة من خلال ذلك إلى إخراجها من عزلتها عن طريق هذه الوسيلة. وقد تكون القضية التي تتاجر بها الدولة قضية واهية، إلا أنها تضخمها كثيرا وتتخذها مطية للوصول إلى المحافل الدولية وتصدر نشرات الأخبار.
ولم يفكر أي بلد عربي أو إسلامي أن يخرج عن هذه النمطية ويبحث لنفسه عن قضية من نوع جديد، فبالإضافة إلى القضية الفلسطينية المشتركة يمكن أن تجعل إحدى الدول من الحفاظ على البيئة قضيتها الأولى، ويمكن لدولة أخرى أن تجعل من موضوع الحريات وحقوق الإنسان قضيتها الرئيسية، ولدولة أخرى أن تجعل من موضوع التنمية الزراعية قضيتها التي تميزها عن غيرها، ولدولة رابعة أن تجعل من وحدة الأمة أهم قضاياها، ولدولة خامسة أن تجعل من محاربة الفقر أو المرض أو الجهل أو غير ذلك قضيتها الأولى.
إن الأسلوب الحضاري والأمثل للدول للبحث عن التميز والشهرة والصيت لا يكون من خلال البحث عن أعداء، بل من خلال السعي إلى تبني مشروع حضاري فكري أو علمي يخدم الإنسانية ويجلب لها الخير والنفع والرفاه. ولا يقتصر هذا الأمر على الدول بل ينسحب كذلك على الأحزاب والجماعات والطوائف والعشائر وحتى الأفراد، فمما يتعارض مع روح العصر أن يبحث أحدها عن قضية تشهره بين الناس من خلال معاداة الناس، وإنما يكون التميز من خلال الإسهام في العطاء والإبداع والتنافس البناء وتوفير أسباب السعادة للآخرين.
salahjarrar@hotmail.com
د. صلاح جرار
|
|
|