تمويل مشروع مياه الديسي ذاتيا
في 23/8/2005 م كتبت مقالا بعنوان: الكابوس الرهيب، أشرت فيه إلى كابوسين يثيران قلق الشعب الأردني ويهددان استقراره ومستقبله وهما: كابوس النفط الذي تبتلع فاتورته جزءا كبيرا من الدخل الوطني والدخل الفردي؛ وكابوس الماء المتناقص بازدياد السكان والتحضر والتصنيع وشح المطر.
ولتنفيذ مشروع جر مياه الديسي إلى عمان الكبرى وغيرها من المدن، وبمعدل مئة مليون متر مكعب سنويا ولمدة مائة عام كما يؤكدون، دعوت الشركات الأردنية المتباهية بأرباحها الخيالية التي جنتها في العام المنصرم إلى التبرع بنصفها لتمويل المشروع لتبقى ويبقى الأردن منيعا ومستقرا وناميا، وردا لجميله الذي ربحها بكثرة من قلة، وآمنها من خوف في زمن العنف الأعمى المنتشر في المنطقة، ولضمان وصول القارب إلى شاطئ الأمان بالجميع، وكنت أتوقع أن تبادر شركة واحدة - واحدة على الأقل - إلى إلتقاط الإقتراح والرسملة عليه، ولكن جميع الشركات لاذت بالصمت واعتبرته غير مقبول. ومن أجل تحريكه وقبوله أدعو الآن إلى تعديله وبحيث يصبح (التبرع) إسهاما (أسهما) في شركة مياه الديسي الوطنية.
يتوقع خبير المياه الشهير شون تيلي أن يحتل الماء في القرن الحادي والعشرين الموقع الذي احتله النفط في القرن العشرين (قرن النفط) ويرى أن وفرة المياه هي التي ستقرر ثروة الأمم، وأن الكيفية التي سيعالج بها بلد مشكلاته المائية ستبين الفرق بين العظمة والانحطاط. وعليه فإن نقل مياه الديسي إلى عمان مشروع استراتيجي بالمعنى القوي للكلمة، ويجب أن تعطى له الأولوية من الحكومة والناس على كل شيء آخر. وعلى الذين يقولون في المناسبات وأمام المراجع العليا أنهم يفتدون هذا الوطن بالمهج والأرواح ويتباهون بالأمن والاستقرار والازدهار فيه، أن يفتدوه بالمال لا بالأقوال، وبخاصة أن عائدات الاستثمار في هذا الاستثمار مضمونة ومجزية، ويمكن أن يستعيد المستثمر ما دفعه فيه في بضع سنوات، وتحقيق أرباح سنوية تستمر لقرن من الزمان.
وربما كان على الحكومات الأردنية ولا يزال دعوة المستثمرين العرب في العقار إلى تخصيص عشرة في المائة من رؤوس أموالهم في الأردن أسهما لهم في هذا المشروع الإستراتيجي، «فالماء هو دم الأرض، أو دم الحياة» .
تقول ساندرا بوستل (مديرة مشروع سياسة المياه في العالم- (Pillars Of Sand, 9991 إن حل المشكلات المائية ليس هندسيا فقط، بل يتطلب مدخلات سياسية وإدارية وتربوية وثقافية أيضا. وأعتقد أن هذه المدخلات متوافرة في الأردن ولا ينقصنا منها سوى الإرادة فإذا صدق العزم وضح السبيل.
أما المصدر الثاني لتوفير تمويل ذاتي للمشروع فيمكن أن يأتي من فرض تسهيم بمقدار أربعين إلى خمسين في المائة على الفاتورة الشهرية للهاتف الخلوي ولمدة سنة فقط، لأن توفير المياه لأصحاب الهواتف أهم بكثير من توفير فرص الكلام والغرام الذي يضيع معظمه في الهواء. إن امتلاك المواطن للهاتف الخلوي يدل على أن وضعه المالي جيد، وأنه مستعد لدفع مئات الدنانير سنويا له ليتمتع بالحرية أو السيادة الفردية. لكن الماء أهم في البداية والنهاية للحياة والحرية من الهاتف الخلوي ؛ لأنه إذا كان بإمكان الأردن أو المواطن أن يبقى بدون الهاتف الخلوي فإنه لا يستطيع البقاء بدون ماء. وربما يجب تغيير معايير دفع المعونة الوطنية وتمويل مشروعات صندوق التنمية والتشغيل وبحيث لا يمنح مدعي الحاجة الذي يحمل تلفونا خلويا دعما من الصندوق.
وإذا كان لا مفر من شريك أو ممول استراتيجي فليكن عربيا لا أجنبيا ؛ لأنه ما من حكومة في العالم الثالث تستطيع عمل شيء حياله إذا انحرف أو استبد.
وختاما نقول : يجب أن تقوم الإستراتيجية الدائمة للدولة على الجمع أو التكامل بين مبدأ النمو (Growth) ومبدأ الإستدامة (Sustainability) لأننا لا نرث الأرض (بما فيها وما يخرج منها) عن آبائنا وأجدادننا بل نستقرضها من آبائنا وأحفادنا كما تقول طائفة الأميش، وأن مشروع الديسي هو مشروع هيدروليكي بطولي سيسجل التاريخ لمطلقيه ومهندسيه ومموليه شرف هذا الإنجاز العظيم.
حسني عايش
|