مشاركة الشباب في الحياة السياسية
تعد مشاركة الشباب في الحياة السياسية ، وتأهيلهم لأداء هذا الدور المهم ، من أهم ركائز العمل السياسي الصحيح في أي دولة ، ومن أولويات الحكم الرشيد في أي مجتمع ، رغم أن هذه المشاركة مرهونة بمستوى التقدم الذي يمكن أن تحرزه أي دولة على مستوى الديموقراطية وحقوق الإنسان، لتتغلغل في حياة الناس وتصبح نظام حياة .
ولقد اثار أعجابي الحوار الجميل الجريء الذي بثّه التلفزيون الأردني في البرنامج المميز الحكي إلنا بين مجموعة من الشباب ووزير التنمية السياسية السابق . ومع أن اللقاء لم يزد على ما يقال عادة في موضوع الأحزاب ، وقانون الانتخاب ، والتساؤل حول الدور الذي يمكن أن تضطلع به وزارة التنمية السياسية لتؤثر إيجابيا في المجتمع ، وخوف الشباب من الانتساب إلى الأحزاب ، إلا أنه كان مفيدا ونافعا في أكثر من ناحية : أولا : أنه كشف قلق الشباب حتى الآن حيال موضوع الأحزاب ، ولهم الحق في ذلك ، إذ تجسد المشاركة الحزبية الرغبة في المشاركة في صنع القرار أو التأثير فيه ، ولا يخفى على أحد ضيق الفرص، بسبب هيمنة أسماء بعينها على المشهد السياسي الأردني برمته، حتى أصبحت الأحزاب مؤخرا لعبة الكبار ،وهذا وضع محبط لا يبعث على التفاؤل ، ولعل دعوة الوزير للشباب محاولة البحث عن موقع يغيرون من خلاله يمثل الخطوة الأولى في رحلة الأف ميل ، لأن محاولة الوزير السابق بث الحماس في نفوس الشباب وتقوية عزائمهم وحملهم على التفاؤل مثله يبدو مبررا ويمكن فهمه بحكم تجربته الطويلة في هذا المجال ، ولكن الحقيقة أنها تنطوي على دعوة لخوض غمار عملية يعرف تماما أنها باتت معقدة وشائكة في البيئة الأردنية التي ما زالت بعيدة عن تقبل الاختلاف ، واستلهام رؤى جلالة الملك في فتح الطريق أمام الجيل الجديد وأصحاب الرؤى والأفكار والمشاريع القادرة على التأثير في الناس ، والقيام بأعباء التغيير ، وسيبقى هذا الوضع على حاله ما لم تتدخل القرارات العليا لإعادة رسم الأدوار وتوزيعها بين الناس وخلق التوازن وإنصاف جميع الأطياف ، وليصبح أساس المشاركة الإنجاز والإبداع والقدرة، وليس الاعتبارات المعروفة الأخرى من محسوبية وواسطة وتبادل مصالح كما هو الوضع القائم حاليا! ثانيا : أبدى الشباب احتجاجهم على ( تجميد برلمان الشباب ) رغم ما أحدث من ضجة إعلامية وما دار حوله من حوار، وعقد ورشات ، وأوراق عمل ومناقشات داخل وزارة التنمية السياسية وخارجها ، ولقد تم تجميده مع أهميته في تهيئة الشباب للمشاركة في الأحزاب ، عبر ترسيخ القيم الديموقراطية وتعزيزها في المجتمع وبين الشباب ، فهل يعقل أن يقفز الشباب ( من بيئة اعتادت على العنف ) إلى المشاركة في الأحزاب دون المرور بأبسط أدبيات الحوار السياسي والخطاب المنطقي الواعي واحترام الآخر وحقه في إبداء الرأي والمشاركة ؟! وإدراك المشكلات والتحديات الوطنية ، والوعي بمتطلبات المرحلة محليا وعالميا وإنسانيا ؟! ثالثا : تناول المتحاورون عددا من القضايا السلبية المؤثرة في الثقافة السياسية السائدة من مثل : المال السياسي وشراء الأصوات ، وعدم انتقاد أداء الحكومات أو معارضتها في أدائها السلبي خشية فقدان المصالح والامتيازات ، أو للحصول على المزيد منها، وغيرها من الأطر التقليدية التي تحكم العمل السياسي لدينا ، والتي بات الشباب ( وللأسف ) يتشربونها ممن سبقهم ويؤمنون بها حفاظا على أدوارهم في الحراك الاجتماعي العام ، وهذه معضلة أخرى تستحق التشخيص والمعالجة ! وبعد ، يضيق المجال عن فتح جميع قضايا هذا اللقاء ومناقشتها لتعدد مداخلها وكثرة تشعباتها ، ولهذا فإني آمل أخيرا أن لا يبقى الحكي لمجرد الحكي فحسب في هذه البرامج الحوارية الهامة ، وإنما أن تترجم رؤى الشباب وتطلعاتهم إلى أفعال وواقع يعيشونه ويتناقشون حول كيفية تطويره ، وليس إجادة الحديث عنه فحسب .
reemmr24@yahoo.com
د. ريم مرايات
|