حتى لا تذهب دماء الشهداء هدراً
ما حصل وما يحصل في غزة هو جريمة في وضح النهار وهو عدوان آثم وهو اعتداء ليس على الفلسطينيين وحدهم وإنما على العرب كلهم في كل أقطارهم وهذا يجب ان يقال لكن القول وحده لا يكفي ولكن صخب الشوارع فقط لا يفيد ويجب ألاَّ يكون الرَّد تجسيداً للمثل العربي الشهير القائل : أشبعتهم شتماً وفازوا بالإبل .
سيكون على قلوب الجنرالات الإسرائيليين الذين تلطخت أيديهم بدماء أطفالنا ونسائنا وأهلنا في غزة أشهى من العسل ان يتفجر الحقد العربي داخل العرب أنفسهم وأن نرتد على أنفسنا وأن تتسع الشروخ في الجسد العربي وأن تزداد الحالة الفلسطينية المتشظية فرقة وتنابذاً وخلافاً.. فهل يوجد أكثر من هذا خدمة لإسرائيل ومخططاتها وهل توجد إساءة لهذه القضية المقدسة من ان ترتد سهامنا الى نحورنا وأن يتحول الثأر المطلوب الى معارك جانبية لن يستفيد منها إلا أصحاب الأجندات الخاصة الذين يغردون هنا ويبيضون في الأماكن البعيدة.
غير جائز.. بل وهو إساءة لدماء الشهداء الأبرار الذين ذبحتهم الطائرات والمدافع الإسرائيلية في غزة ان ننشغل بالإتهامات والتلاوم وإستهداف بعضنا بعضاً وأن نبحث عن مشاجب لنعلِّق عليه الأخطاء والخطايا التي أوصلت الوضع الفلسطيني الى ما وصل إليه إنه لابد من ان نتعلم عرباً وفلسطينيين من هذا الدرس وأن نعتصم بحبل الله ولا نتفرق وأن نعرف بالضبط الى أين نوجه فوهات بنادقنا ونوجه قنابل ألسنتنا وحناجرنا فالعدو واضح والصديق واضح وبعد الآن يجب ألا يكون هناك أي مكان للون الرمادي.
... الآن لابد من المراجعة السريعة فالقضية الفلسطينية هي مسيرة دماء ودموع وتضحيات وشهداء وهي أيضاً مسيرة تجارب مريرة والمفترض أننا تعلمنا جميعاً من تجارب الستين سنة الماضية ان توجيه رماحنا الى نحور بعضنا بعضاً بعد كل معركة وبعد كل مجزرة يرتكبها العدو من مجزرة دير ياسين وقبية وحتى مجزرة غزة الأخيرة لا يخدم إلا هذا العدو الذي مما لا نقاش فيه لو ان الوضع الفلسطيني غير ممزق كل هذا التمزق ولو ان الوضع العربي ليس بكل هذا الاستقطاب والتمحور لما استطاع ان يرتكب هذه المجزرة الوحشية في وضح النهار ولا في دغشة الليل.
هذا الذي جرى ويجري في غزة يجب ان يقف الأخوة الفلسطينيون، والمقصود هنا هو حركة فتح وحركة حماس ، إزاءه وقفة صادقة مع النفس وأن يعترفوا بأخطائهم المتبادلة وأن يغلبوا المصلحة العليا للشعب الفلسطيني على المصالح الحزبية والتنظيمية وعلى المصالح الخاصة وأن يضعوا وبسرعة حدّاً لهذا الإنقسام غير المبرر والذي لا يمكن الدفاع عنه على الإطلاق ولا تستفيد منه إلا إسرائيل ومعها الذين كل ما يهمهم هو تحويل هذه القضية المقدسة جسرا لأطماعهم وتطلعاتهم الإقليمية في هذه المنطقة.
إن الرد على ما جرى وما قد يجري هو ان ينتشل الأشقاء الفلسطينيون قضيتهم من هذا الإنقسام الخطير والآثم وأن يتقوا الله بهذه القضية وبشعبهم وأن ينقوا قلوبهم ويوحدِّوا إتجاهاتهم ويجعلوا فلسطين أولويتهم ومرجعيتهم وأن ينهوا هذه الحالة البائسة التي لولاها لما ذُبحت غزة من الوريد الى الوريد والتي إن هي إستمرت بعد هذه المذبحة فإن الضفة الغربية ستذبح أيضاً من الوريد الى الوريد وأن الفلسطيني سيعود بلا هوية كما كان في تلك السنوات البعيدة.. سنوات الذل والمخيمات وسنوات الضياع والبؤس والويلات.
ضروري ان تشهد العواصم العربية مسيرات إحتجاج وتضامن مع شعبنا ومع أهلنا في غزة لكن الأكثر ضرورة هو ان ينتهي هذا الإنقسام الفلسطيني وأن يتفق المختلفون والمتخاصمون على برامج الحدود الدنيا.. لقد أُتْخمنا بحملات الإتهام والتخوين والمظاهرات على مدى ستين عاماً ولقد تحولت القضية الفلسطينية المقدسة خلال كل هذه الأعوام الى مبرر للإنقلابات العسكرية المتعاقبة ولقد استخدمت فلسطين ضد نفسها وضد شعبها استخداماً كان ولا يزال على حسابها وعلى حساب هذا الشعب ولذلك وحتى يصبح بالإمكان استخدام المثل القائل : رب ضارة نافعة استخداماً صحيحاً ومفيداً لابد من وقفة صادقة مع الذات فحتى لا تذهب دماء الشهداء هدراً كالعادة لابد من الإعتراف بالأخطاء التي أوصلت الأمور الى ما وصلت إليه.. إنه لا بد من ان ينتهي هذا الانقسام وإنه لابد من انضواء الجميع في إطار واحد هو إطار منظمة التحرير.. إنه لابد من مسيرة واحدة وبرنامجٍ وطني واحد.
صالح القلاب
|