«حوش عصفورة» حوش تجاوز عمره الزمني مائتي عام. ما زال صامداً في مدينة «المهد» بيت لحم يتحدى الزمن! في هذا «الحوش» الذي يضم شققاً متلاصقة كانت ولادتي. حين بلغت العاشرة من العمر اندلعت حرب فلسطين. الكل يتابع ما ستسفر عنه هذه الحرب الظالمة. حتى الصغار شغلتهم أهوالها!
القلائل آنذاك هم الذين كانوا يقتنون في بيوتهم «راديو»، حياة الناس كانت بسيطة، همومهم واحدة، يخشون تداعيات الحرب على أمنهم واستقرارهم.
وهنا أذكر أنني -رغم صغري- كنت أحرص على ملاحقة أخبار القتال في فلسطين عام 1947 و1948. قريباً من «حوض العصفورة» - وقد سُمي بهذا الأسم نسبة إلى عائلة «عصفورة» التي تمتلكه- كان يوجد «محل» لتصليح أجهزة الراديو التي يمتلكها المحظوظون آنذاك!. على واجهة هذا المحل ترتفع «سماعة» من خلالها يستمع جمهور محتشد ممن شُردوا عن ديارهم، أخبار المعارك في فلسطين. كنتُ أندس بين هذا الجمهور، أصغي باهتمام إلى كلمات مذيع النشرة، نشرة الثانية بعد الظهر.
بعض الذين اعتادوا الحضور، حرصوا أن يحضروا معهم «مفاتيح» بيوتهم في القرى التي هُجروا منها على أيدي قوات «شتيرن» و»الهاجانا» اليهودية التي تجردت من أية إنسانية. بعض مفاتيح هذه البيوت حديدية كبيرة في أعلاها حلقة واسعة، تتدلى على نحو بارز من على ثيابهم! بعد انتهاء نشرة الأخبار ينفض القوم ساخطين على بريطانيا التي مكنت لليهود أن يغتصبوا فلسطين. من العبارات التي كنت اسمعها: «ضاعت البلاد!» «لا أمل في العودة!» الله ينتقم من الظالمين» «ما في اليد حيلة» «خطة مدبرة من زمان!» «الله أكبر على اليهود».
في «حوش عصفورة» كان الجيران ينتظرونني بلهفة لأروي لهم ما سمعت. وبفضل من الله - سبحانه- كنت امتلك ذاكرة قوية قادرة ان تختزن ما سمعت. ما أن أدلف إلى «الحوش»حتى أرى والدتي وجاراتها متلهفات لسماع أخبار الحرب بدوري. كنت أعيد عليهن هذه الأخبار، متقمصاً شخصية مذيعها! وما أن افرغ من هذه المهمة، حتى أسمع تعليقات مُرة تتناول «العرب» الذين يتحملون مسوؤلية ضياع «البلاد»!.
من الذكريات الأخرى التي ما زالت تقبع في «الذاكرة» ما كان يدور بين المرحومة والدتي وبعض جارات «الحوش» من أحاديث وتعليقات تتناول هموم الحياة المعيشية وتبدل الحال. من هذه الأحاديث والتعليقات التي ما أزال أذكرها والتي تتكرر حتى أيامنا هذه «الدُنيا مش نافعة»، فترد احدى الجارات على قائلتها بالقول: «الدنيا مثل ما هي. أهلها غير نافعين»! «الشر ما بيجي إلا من بني آدم». «اللهم أبعد عنا شر بني آدم».
اليوم أتأمل هذه المفردات التي ألفتُ سماعها في طفولتي، فأقرأ فيها «الحكمة» و»بعد النظر». «الدنيا مش نافعة» ثم الرد الآخر: «ناسها غير نافعين. الدنيا زي ما هي». «الشر ما بيجي إلا من بني أدم».
مفردات تتكرر وستظل تتكرر ما دام هناك ظلم واستبداد وطغيان يسود العالم. هموم «حوش العصفورة» هي نفسها هموم هذه الأيام، هي هموم «الفقد» و»التشرد» و»الضياع» و»الاغتراب».
كم هو مؤلم هذا «الفقد» الذي يقف وراءه طُغاة وجبابرة أداروا ظهورهم لكل ما هو إنساني. كم يبعث على «الأسى» هذا «الفقد» ما أقسى وأمر أن يفقد المرء وطناً على أرضه درج وترعرع! ما أقسى وأمر أن يجد الواحد منا نفسه «مغترباً» يأبى غلاظ البشر من المهيمنين بجبروتهم على العالم الاعتراف له بِ «هويته».!
أسقط هؤلاء «الغلاظ» من حسابهم «القيم الإنسانية». يثرثرون حول «المبادئ الإنسانية» وهم أنفسهم «قتلة» هذه «المبادئ». يتحدثون عن «السلام» وهم أنفسهم من اغتال هذا السلام. يُرسلون «التعهد» تلو «التعهد» بشأن هذا «السلام» وما اسرع ما ينكثونه! كلامهم المعسول يقطر منه السم الزعاف!.
[email protected]